سوداني في كولومبيا / Travel like a Sudanese

عندما تكون سودانيا، فإن أي تذكرة سفر هي تذكرة ذهاب بلا عودة.

عندما تغنى مصطفى سيد أحمد بأننا ننتمي للطيور الما بتعرف ليها خرطة ولا في ايدها جواز سفر. عندما تغنى بكلماته الحزينة المبهجة، التي أصبحت نشيدا لجيلين و أكثر، ربما لم يكن يعلم أن رحلة السفر لن تنتهي. لقد تحسر على ترك الوطن، لكنه كان واثقا بأننا نحن –  أولادهم السمر – سنكون تذكرتهم لمسح أحزان الزمن. وهي مسؤولية غير عادلة فنحن – بعكس الطيور – لا نملك حريتنا، والأوطان لا تبنى بالقيود وبعض القيود لا تكسرها حتى الأجنحة. نحن لا نهاجر أو نسافر بل نهرب.  بلا خريطة ولا جواز سفر ولا غاية.

المحظوظون – مثلي – هم الذين أتاح لهم الزمن فرصة – فرصة أن نغادر سجن المليون ميل مربع (سابقا). هؤلاء لا يتوقف سفرهم عند الوصول، بل يتواصل دوما نحو أراض جديدة أو حتى عودة واشتهاء لنفس السجن. والمسجونون بالوطن هم دوما في حالة استنفار واستعداد للهرب حتى لا تفوتهم الفرصة التي حتما ستأتي.

كسوداني، أنا دوما في حالة هرب أو استعداد للهرب.

—-

اليوم أهرب مجددا. بلا هدف. لكنه هروب مرفه – هروب من امتلأت بطونهم وأعينهم لكن لعنة أغنية مصطفى لم تنقطع عنهم. أسافرإلى أراض بعيدة جدا. بجوازين ولغتين وهويتين أو أكثر. وبلا خرطة.

القادم هو قصة سوداني في كولومبيا (وربما أبعد).  قصة سوداني لا يستطيع التوقف عن الهروب لأن اللعنات قد كثرت. لعنة أبي الذي سافر، وجده الدرويش الذي سافر، وخالي الذي جبدني بالدغالة والسفر. ولعنة مصطفى الذي حملنا مسؤولية أن نطلب الوطن، ولو في كولومبيا.

القادم سأكتبه لصديقي بشرى –  قارئي الأول والأهم – والذي يبقى أعز أصدقائي رغم كل الأصدقاء الرائعين بحوزتي.

 

IMG_20181115_184853661
مصطفى سيد احمد وجابرييل جارسيا ماركيز بمقهى ببوجوتا

For a Sudanese, every travel ticket is a one-way ticket. Every “see you” is a potential goodbye, and there is no traveling, there is just constant running away.

Mustafa Sidahmed – famous Sudanese singer – once sang that “Sudanese belong to the birds, who have no passports nor maps to guide them”. He sang it in a time when there was still hope for a return, and for building (or) finding a home. In his anthem for Sudanese diaspora, he lamented leaving home but he was also hopeful that we – the next generation – will be their ticket to a new future, to a better home and to undo the sadness. Mustafa died, and never got to know that the Sudanese journey was only just starting.

When Mustafa laid the responsibility of bringing happiness on “his dark-coloured children”, he laid an unfair responsibility on our shoulders. We are not free like the birds in his song, we are not migrating, we are map-less, passport-less, and our travels are forced and aimless without destinations.

To build those beautiful homes that Mustafa dreamt of, we needed more confidence in our wings, confidence that – no matter how far is the destination – our wings won’t fail us and we would get somewhere. That confidence comes with faith or privilege. Neither of them we were lucky enough to have.

Today, I travel again. I have no faith, but I got privilege, forcefully acquired privilege. I got a safety net, because even beautiful dark birds need a safety net in a world that anticipates and wants their wings to fail. The chains of Mustafa’s cursed song remain, but I see an end.

What comes next are diaries of a Sudanese in Colombia (and beyond). I dedicate them to Bushra, and the good friends we have, the good friends we lost along the way.

[ps: The English version is not a direct translation. The English version comes mostly from the mind, the Arabic one mostly from the heart. Both are me.]

التالي: بوجوتا – الأسبوع الأول 

حكاية دنيا

تذكرت دُنيا عندما سألتني صديقة قرأت قصة (شَعَري) مستغربة : انت مالك مركّز شديد مع العاهرات والقوادين والكلام ده … مع أنو (شكلك) مؤدب ؟!!!
لم أرد عليها في حينها …
لكني قرّرت لحظتها أنه إذا كان هناك ما يستحق أن أحكيه عن نفسي فهو حكايتي مع دنيا ..
دنيا هي – ببساطة – فتاة ليل
حقيقة أننا – كما يقولون في الأفلام – لم “نفعلها” أبدا … لكني أجزم أن ما فعلته بي يتجاوز بكثير مجرد نزوة عابرة …
لا أزال أتذكر تلك النظرة البريئة الكامنة رغم كل محاولاتها المستميتة إخفاءها…
حتى عندما كانت تنفث دخان السجائر بعنف أو تمضغ لبانتها بدلال مفتعل – فهي تظل في عيني مجرد طفلة بريئة ولا أصدق أن آدميا قد يستبيح هذه البراءة …
لقاؤنا الأول … كان أثناء انتظاري للمواصلات بعد ماتش كورة دام حتى الساعات الأولى من الصباح …
تقدمت – هي – مني: معاكش سيجارة يا سمارة ؟؟؟
تلفت حولي، كان الجميع في قمة التركيز …
كرّرت: ما ترد يا سمسم ؟؟؟؟
لم أرد عليها فكررت مجددا: إيه النظام يا سمارة ؟؟؟
جاء ردي قاطعا: بلاش (وساخة) يا بت انتي …
رمقتني بنظرة وابتعدت عني … لكني لا أعرف – ولا أعتقد أنها عرفت حينها – ما الذي جعلها تعود مرة أخرى
Continue reading “حكاية دنيا”

شعري

لا أعرف متى أصبح شَعري قضية قومية !!
شعوب اتفقت على ألا تتفق، يختلفون على أكثر قضاياهم مصيرية … اتفقوا جميعا بكل طوائفهم وأديانهم وأعراقهم على تحقيق هذا الهدف السامي.
“يجب أن يحلق نيالا شعره”
اسمي نيالا … والحكاية أنه عند ولادتي، قررت أمي اختيار اسمي بطريقة مجنونة … كأنها كانت تتنبأ بما سأصيره
أحضرت أمي خريطة وطلبت من فتاة صغيرة ملعونة أن تمرر اصبعها عليها وتتوقف في بلد ما … سأحمل اسمها
أحمد الله أن الفتاة لم تتوقف في أفغانستان … لكنها حكمت علي أن أرتبط إلى الأبد باسم – قد أمقته أحيانا، قد لا أعرفه كثيرا، قد أحاول الهروب منه، لكنه يبقى اسمي ..
حكمت علي بأن أكون “نيالا”
*****

Continue reading “شعري”