بوجوتا – الأسبوع الأول

أُجيد فن الأماكن الجديدة.

فن التعرف على أشخاص جدد واعتناقي لهم ولأساليبهم بسرعة ولباقة. فترتي الأولى بأي مكان هي مرحلتي المفضلة، فبينما يتهيب معظم الناس الجديد، أتوق لتلك المرحلة. الأماكن، الوظائف، العلاقات إلخ. مشكلتي هي مرحلة ما بعد الجدة. عندما يعم الملل وتنضب الإثارة. عندها يكون حلي بسيطا: أن أسافر، أن أهجر وأبتعد. وتتواصل الحلقة.

للأماكن الجديدة رب يرعاها. رب سفر يتربص بنا – أبناءه السمر – ليفتح لنا طرقا وأحباء وأصدقاء أينما حللنا. فقط، علينا أن نؤمن به ونتوكل. تعلمت أن أثق به منذ كنت طفلا، منذ أن ذهبت إلى المدرسة في بلد جديد مخيف وأخبرني والداي أن أمثل معرفة اللغة الانجليزية حتى لا يعيدوني الى صف متأخر. يومها عدت إلى المنزل بكراس مليء بالحروف الانجليزية المرسومة دون فهم والمكتوبة من اليمين إلى اليسار كلغتي العربية. وقتها أحاطني رب الأماكن الجديدة برعايته ولم يعيدوني للصف السابق، وأنعم علي بأصدقاء وأحباء. فآمنت وسافرت.

منذ وصولي إلى بوجوتا، امتلكتها. أنزلني حظ السفر مع أسرة هي مستنسخ لاتيني لأسرتي. الأب استاذ علم اجتماع، يدير مركزا ثقافيا للأنثربولوجيا. الأم مدرسة بالمعاش. لديهم ابنان، أحدهم مغترب والآخر يعيش معهم بالمنزل. ضمتني الأسرة اليها بلطف بالغ خاصة الأم، أمبارو، فعلى طريقتنا السودانية، أصبحت تأتيني بوجبات كولومبية شهية من يوم لآخر. وأصبحت أعود كل يوم لأجد فاكهة استوائية خلابة على أعتاب غرفتي.

أكل كولومبيا وفواكهها ضرب من الخيال. فكولومبيا هبة الأمازون وجبال الأنديز ومحيطين. لديهم كل المناخات وكل أنواع الأكل والفواكه والمشروبات – الحلال والغير. فاكهتي المفضلة هي اللولو، لا أعرف كيف أوصفها سوى أنها الرد اللاتيني للحلومر غير أنها طبيعية دون عواسة أو تدخل بشري. يأتيك طعمها مرا تارة وحلوا مرة أخرى دون مقدمات. غالطتهم أن المانجو والجوافة لدينا أفضل منهم. وقبلوا غلاطي. فالمانجو والجوافة لديهم فواكه مملة.

أما القهوة الكولومبية فحكاية. أينما ذهبت ستجدها. هناك أشخاص يمرون الشوارع ينادون على قهوتهم .. التينتو tinto كما يسمونها. هذا التينتو يمكنك شراءه من الباعة المتجولين بما يعادل جنيه سوداني من جنيهات ٢٠١٨، و كل الأكشاك الصغيرة تحمل يافطة تعلن عن قهوتها المتوفرة ٢٤ ساعة.

وإن كنت أثق برب الأماكن الجديدة لكن بعض التخطيط والتكنولوجيا لا تضر. تعرفت عن طريق شبكة Couchsurfing على جزائري يعيش بكولومبيا. ربيع الجزائري. أتاها زائرا منذ خمس سنوات فقرر ألا يفارقها. أخبرني بقصة السوداني الوحيد الآخر الذي التفاه ببوجوتا – شاب يدعى فارس مر من هنا ثم عاد للسودان. أخبرته أنني أتيت بديلا لفارس وليس لدي مكان أعود إليه. والتقيت أيضا نادية، وهي – رغم الاسم الخداع – فتاة كولومبية من بوجوتا تتحدث بسرعة وحماس وبنفس نبرة الغضب التي أتحدث بها عن بلادي. أعطتني درسا مكثفا شيقا في تاريخ كولومبيا السياسي الحديث. سياسيوهم ليسوا بحقارة سياسيينا لكنهم يقتربون بشدة. ألفارو أوريبي هو معادل حسن الترابي الكولومبي – صانع ملوك وكعب اخيل كولومبيا وحظها العاثر. أكثر تعاملاتي مع الكولومبين، كانت مع سائقي التاكسي الذين يجيدون التثامر أكثر من سائقي مصر حتى. تونسنا عن كولومبيا. للأسف لا يعلمون أي شيء عن السودان – أقوم بوصفها كالبلد المجاور لأثيوبيا وجميعهم يعرفون اثيوبيا (ومصر بالطبع لكني أختار وصف نفسي بأهلي الاثيوبيين). ونسة الكولومبيين تبدأ وتنتهي بالنساء – هم بغاية الفخر بجمال بناتهم. أخبرني أحدهم أن كولومبيا أسعد بلاد العالم – رغم أوريبي والفقر – لأن بها أجمل نساء العالم. وليس لديهم الرجالة والشهامة المفتعلة لدينا، فهم يرحبون بك يدعونك لبلادهم بما فيها من فواكه وأكل وشراب ونساء. كرم حقيقي ودعوة قُبِلت.

قررت قبل مجيئي لكولومبيا، أنني أود أن أقضي أيامي مملة. فعلى عكس الاجازات السريعة، أود أن أعيش هنا وأتعرف على الناس والمدينة بشكل متأن. لذلك رفضت الذهاب لمدن اخرى أجمل من بوجوتا (مثل ميديين وكارتاخينا) كذلك ما زلت أواصل عملي خلال اليوم – أذهب لمكتب جميل في ضاحية راقية من ضواحي بوجوتا ثم أقضي الأمسيات مع الأصدقاء الذي تعرفت عليهم في أيامي الأولى – ربيع ونادية وخوان ابن صاحب المنزل الذي عزمني على سيجارة كولومبية كاربة.

ثم تأتي نهاية الأسبوع.

الويكيند الأول لي ببوجوتا، قررت أن أركب مكنة سائح قليلا. حجزت رحلة مع دليل ومجموعة من السواح بالحي القديم ببوجوتا. بينما كنت أنتظر وصول الدليل أمام متحف الذهب ببوجوتا، بدأت الحديث مع شاب بدى عليه التوتر يدعى أندريس. كان يرغب بتسجيل حوار مع سواح من أجل كورس اللغة الانجليزية الذي بدأه من شهور قليلة، لكنه كان خجولا ومحرجا من فلهمة وعجرفة السواح التي تتعارض مع لطافة الكولومبيين. تحدثت معه أولا ظانا أنه دليل الرحلة، ثم بدأنا الحديث عن دراسته وعمله .. والنساء بالطبع. في النهاية ذهبت لجولتي لكني (عزمت) نفسي لأنضم له ولأصدقائه لمشاهدة مباراة بوكاجونيورز والريفر معهم. وبالفعل توجهت اليهم بعد جولتي – وكان أن ألغيت المباراة بسبب اعمال الشغب. ورد الكولومبيين كان سريعا، تحولت اللمة التي كانت بسبب الكرة لحفلة رابة على أنغام السالسا. تعرفت هناك على مجموعة جميلة من الشباب الكولومبي، قضيت معهم منذ العصر حتى الساعات الأولى من الصباح التالي. قامت فتيات المجموعة بتعليمي بعض خطوات السالسا بصبر عجيب على شتارتي وعسيمي أمام الجمال الكولومبي. عرفوني أيضا على العرقي الكولومبي aguardiante ولا أذكر الكثير من بعد مرحلة الأجوارديينتي. قضيت ليلة جميلة وأصر أصدقائي الجدد – على طريقتنا – على أن يوصلوني حتى باب منزلي للتأكد من سلامتي في مدينتهم.

أحب السفر بسبب لحظات كهذه. أن أجد أصدقاء غير متوقعين بمكان غير متوقع بهذا النحو العشوائي. أحب نفسي عندما أسافر لأني منفتح تماما لتلك اللحظات – أخاطب من أشاء وأقترب ممن أشاء ولا أخاف شيئا – عكس تحفظي وخجلي في الأماكن القديمة. عندما انتهت حفلتنا مع أندريس وأصدقائه، والتي كانت بمكان مقطوع أعلى الجبل شرق بوجوتا. قمنا جميعا – كولومبيين وسودانيين – بنزول الجبل كداري نترنح على ايقاع الأجوارديينتي وهم يغنون أغاني حب كولومبية وأنا أرد بعقد الجلاد ومحمد منير (وهل رأي الحب سكاري).

حتى وصلنا.

أن تسافر كأسود

يعلمك السفر أشياء كثيرة – بعضها حقائق وبعضها انطباعات شخصية ربما غير موضوعية، ويعضها انطباعات كالحقائق. احدى تلك هي أن عالمنا هو عالم البيض – الخواجات، الأوروببين والأمريكان والأستراليين ونأتي – نحن – في المركز الثاني والثالث حتى الأخير مهما عملنا واكتسبنا من مميزات أو باسبورتات. لكن هذا الامتياز الأبيض يتوقف عند صالات السفر والمطارات وضباط الجوازات. عندما قابلت صديقي أندريس على عتبات متحف الذهب – الذهب الذي سرقه الرجل الأبيض من أجداده – كان الخواجات يصرفونه ويهملونه لأن امتيازهم واحساسهم بعلوهم يصرفهم عن رؤيته. امتيازهم أيضا هو الذي يجعلهم عرضة للنصب والاحتيال وحتى العنف احيانا. فبينما هناك مناطق لا يمرون بها – مررت مع أصدقائي ووحدي بجميع مناطق بوجوتا دون خوف – لا يعترضني، ولا يلاحظني أحد ولا يرغب في مالي أو امتيازاتي أي شخص.

تلك الامتيازات – وان كنت اسميها الامتياز الابيض – ليست حكرا على البيض،  فكما يقول الايطاليون: لكل شمال جنوبه. انها امتيازات وتعالي الشمالي على الجنوبي لدينا، والسودانيين على الاثيوبيين أحيانا والمصريين علينا والسعوديين على المصريين والاسباني على اللاتيني الخ. هي نفس العنجهية والنظرة الدونية غير المبررة – خاصة أنها في أحيان كثيرة تكون موجهة من الطرف الأقل تحضرا ورقيا. من حظي أني لم أتمتع بتلك الامتيازات يوما – كسوداني في مصر، أو شهادة عربية بالسودان أو مهاجر بأوربا – لم أملك يوما فرصة أن أكون شمالي أحدهم. كمراهق، كرهت ذلك الاحساس – وددت لو أنني انتميت لمكان – أي مكان – كمواطن درجة أولى بكل العنجهية والعنصرية والاستعلاء. اليوم، أشكر الرب أني لم أتعرض يوما لذلك الوهم – شكرا رب السفر.

خاطرة موامبا

وهناك تلك المرة التي ظننت فيها أنني متّ.

لم أر نورا في آخر الممر، لم يكن بجانبي ملائكة ولم تمر لحظات حياتي أمام عيني. كنت نائما نوما عميقا، نوم أعرف حق اليقين أنه الموت ووددت لو أصحو للحظة لأخبر كل الخائفين من الموت أنه مجرد غفوة.

لم أدرك الحكمة ولم أصل للنيرفانا ولم تكن لي روح. فقط جسدي وأحلامي كما كل ليلة. ولم أتذكر ابني أو صديقتي، فقط أحلام متفرقة بعضها مزعج وبعضها أقل إزعاجا كأي غفوة.

لم أتذكر لحظاتي الأخيرة ولم أفكر في المباراة ولم أتمن أن أكون في مكان آخر أو مع أشخاص آخرين ولم أندم على شيء. لم أحزن لترك حبيباتي ولم أنتظر قبلة وداع.

لم أندم. ولم أندم على أنني ندمت يوما.

لم أهتم بدموع من أحبوني. أدركت أن كلهم لهم أحلام بعضها مزعج وبعضها أقل إزعاجا، وأنهم سينامون ولن يندموا ولن يهتموا بدموع من أحبوهم.

كنت في حالة صفاء، صفاء أن توقن وأن تؤمن. صفاء لا يهم ما قبله ولا يوجد ما بعده.

وفجأة استيقظت.

وعرفت أنها لم تكن سوى مباراة أخرى غير ودية مع القدر. لكني لم أهتم.

** من وحي فابريس موامبا الذي توفي لدقيقتين ثم عاد

ثورة سالي واخواتها


فكرة الثورة هي ثورة حالمة بكل المقاييس، فسواء كانت الفكرة مقرونة لديك بنضال مارتن لوثر السلمي أو جهاد صلاح الدين الأيوبي أو جيفارا أو حتى الهيبيز في أوربا وأمريكا الستينات فإن ما لا شك فيه أننا جميعا – بغض النظر عن الأعمار والجنسيات والثقافات – كلنا نتوق لثورة ما. على أرض الواقع، فإن هذه الفكرة الحالمة لديها قابلية كبيرة أن تتحول لكابوس. ربما لا توجد ثورة في التاريخ لم يتم سرقتها من الساسة أو رجال الدين والجيش المنتفعين.

لكن ثورة مصر مختلفة. هذه الثورة ليست ثورة جياع كما حدث ويحدث في بلدان كثيرة وفي عصور كثيرة، وهي ليست ثورة سياسيين مهما حاول البرادعي أو الاخوان المسلمون أو غيرهم ادعاء ذلك. هي ثورة الشهيدة سالي واخوتها واخوانها. وما يميزها حقا، أنها ثورة لم تحدث فجأة أو في لحظة غضب، فهي ثورة مع سبق الإصرار والترصد.

مصر – وجيلها الجديد – قرروا تغيير النظام وفعلوها. سأشدد على أنها ثورة الجيل الجديد ﻷن النظام الكهل الذي تمرس في قهر المصريين بالطرق القديمة، هذا النظام الكهل فوجئ بجيل جديد وأساليب جديدة لا مركزية لا يمكن السيطرة عليها. شباب مصر العظيم قرروا ونفذوا وهذا ما لم يحدث في التاريخ. شباب مصر يسطرون التاريخ الآن وكلي يقين – أنه على خلاف ثورات الماضي – فإن هذه الثورة لن تسرق لو حماها الشباب حتى النهاية. وهنا مربط الفرس، حتى النهاية وهذه النهاية ليست فقط إسقاط مبارك بل ما بعد إسقاط مبارك.
Continue reading “ثورة سالي واخواتها”

خواطر انفصال

من عنجهيتنا وغرورنا كسودانيين شماليين، أننا نتعامل مع انفصال الجنوب على أنه سينشئ دولة واحدة جديدة في الجنوب فقط، متناسين حقيقة بسيطة. الانفصال – وهو أمر صار حتميا بدليل كل الشواهد – الانفصال هو نهاية السودان الذي نعرفه. بعد 2011 ستكون هناك دولتان جديدتان لا علاقة لهما بالكيان السابق المسمى السودان. غرورنا – الذي أوهمنا أننا أسياد وغيرنا عبيد لقرون – هو نفسه الذي يوهمنا أننا السودان الأصلي بينما غيرنا سيكون السودان الفشنك. وأنا هنا لا أتحدث عن المسميات – فحتى إن احتفظ الشمال باسم السودان فهو بالقطع لا علاقة له بالسودان الذي نعنيه حتى كتابة هذا البوست.

قد يغضب البعض  ﻷن حديثي يستبق الأمور، ويتعامل مع الانفصال على أنه واقع، لكنها الحقيقة للأسف، فالحديث الآن ليس عن الانفصال من عدمه، بل عن الانفصال بأقل الأضرار الممكنة. الحرب هي بالتأكيد أسوأ الشرور، وكلنا لا نتمنى عودتها مهما ساءت الأمور. لكن هناك تداعيات أخرى لا تقل خطورة – أو على الأقل تعقيدا – عن الحرب. مثلا يخاف الكثير على مصير مئات الآلاف من الجنوبيين في الشمال وقد بدأ الكثير منهم بالفعل في الهروب من حيث نشؤوا وعاشوا لعشرات السنين.

لكن يبدو أن الكثيرين لا ينتبهون لجزء آخر من الصورة. فالكثيرون يراهنون على أن العديد من الجنوبيين – بالذات في الشمال – لن يرغبوا في العودة أو الانتماء لدولة الجنوب. لكن لا أحد يسأل السؤال العكسي، هل ترغب كشمالي في الانتماء لدولة السودان “الشمالي” التي ستنشأ بعد الانفصال؟

حقيقة أنني كنت دوما ما أواجه فكرة الانفصال بغصة في الحلق، لم أفهم لها سببا بداية حتى صدمت بهذه الفكرة: إن انفصل الجنوب فأنا لا أرغب أن أكون سودانيا “شماليا”. حقيقة أن نيفاشا لم تعطنا حق تقرير المصير، لكن المؤكد بالنسبة لي أنني – بالقطع – لا أرغب في الانتماء لهذه الدولة التي ستنشأ في الشمال.

بداية، السودان – كما كل بلدان افريقيا – ما هو إلا صنيعة بريطانيا وفرنسا وغيرهم. أعرف أن الكثيرين ربما ارتابوا وتساءلوا عما تعنيه تلك الحدود المسماة السودان، لكننا كجيل ولد بعد الاستقلال بعقود، تقبلنا الفكرة كما فعل غيرنا، تقبلنا واقتنعنا أن هذا السودان – الذي رسم حدوده الانجليز – هو سوداننا. الآن عندما تنشأ دولة السودان الجديدة في الشمال؟ هل سنتقبلها كما تقبل آباؤنا السودان “الأصلي” ؟ أشك.

دولة شمال السودان المرتقبة هي صنيعة الإنقاذ، عن جهل أو قصد، هي نتاج ربع قرن من تجهيلنا وتخويفنا وتهميشنا. هي دولة ينظر لها أمثال الطيب مصطفى ودستورها هو الانتباهة! هي دولة عنصرية بنيت على اضطهاد الآخر وتهميشه وإذلاله. الفرق كبير بين اللحظة التي نشأ فيها السودان الأصلي، حيث اجتمع آباؤنا على تحدي المستعمر والإيمان بذاتهم، وبين هذه اللحظة، التي أعمتنا فيها عصبة الإنقاذ عن عدونا الحقيقي واستخدمت كل عقدنا وعيوبنا لقيادتنا لهذه اللحظة. يحاول بعض الجبهجية تجميل هذه الصورة القبيحة بتصوير السودان الشمالي الجديد بأنه السودان العربي المسلم الحر، ويلعبون في الخفاء على هذا الوتر العنصري. لكن ربع قرن من الإنقاذ علمتنا أن لا دين ولا عرق ولا انتماء لهم سوى للسلطة والدولار.

فمن الذي يرغب في الانتماء لمثل هذه الدولة الوليدة؟ في رأيي هو إما جاهل متحامق أو شخص لا يملك بديلا،  والأخيرة هي حال معظمنا.

حقيقة، أود أن أهنئ اخوتي الجنوبيين بدولتهم التي ستنشأ قريبا، حتما ستواجهم مشاكل جمة لكن على الأقل سينتمون لكيان يعني لهم شيئا. أما نحن، فهنيئا لنا دولة المؤتمر الوطني.

وقبّلتها ثلاثا … في السوق العربي

بدا الجميع في أبهى حللهم …
الحافلات في الانتظار بلا كلل أو ضيق والسواقين لم يكترثوا للدور …
الكماسرة مبتسمون سعداء بما جلبه العيد من بهجة للعيون …
والبياعين لم يأبهوا لأي كشّات تعكر هذا الصفو
حتى الكتّاحة قررت الانحسار في هذا اليوم
كأن الجميع يحتفل …
Continue reading “وقبّلتها ثلاثا … في السوق العربي”

قصة قصيرة جدا … دينق وأسماء

التقى دينق مع صديقته أسماء في السوق العربي.
بعد سلام حار وأشواق عارمة …
استقلوا الحافلة ليتوجهوا إلى مكان لقائهم المعتاد …
طقطق الكمساري …
طق طق طق
مدّ دينق ورقة الألف وأشار بإصبعيه (اتنين)
استمر الكمساري في الطقطقة
طق طق طق
كرر له دينق (اتنين)
لكنه أصر على (الطقطقة) لأسماء التي نظرت لصديقها وأكدت (اتنين)
واصل الكمساري الطقطقة
طق طق طق
فأكد دينق تغالبه الدموع (معاي)
وأكدت أسماء تغالبها الدموع (معاهو).

حكاية دنيا

تذكرت دُنيا عندما سألتني صديقة قرأت قصة (شَعَري) مستغربة : انت مالك مركّز شديد مع العاهرات والقوادين والكلام ده … مع أنو (شكلك) مؤدب ؟!!!
لم أرد عليها في حينها …
لكني قرّرت لحظتها أنه إذا كان هناك ما يستحق أن أحكيه عن نفسي فهو حكايتي مع دنيا ..
دنيا هي – ببساطة – فتاة ليل
حقيقة أننا – كما يقولون في الأفلام – لم “نفعلها” أبدا … لكني أجزم أن ما فعلته بي يتجاوز بكثير مجرد نزوة عابرة …
لا أزال أتذكر تلك النظرة البريئة الكامنة رغم كل محاولاتها المستميتة إخفاءها…
حتى عندما كانت تنفث دخان السجائر بعنف أو تمضغ لبانتها بدلال مفتعل – فهي تظل في عيني مجرد طفلة بريئة ولا أصدق أن آدميا قد يستبيح هذه البراءة …
لقاؤنا الأول … كان أثناء انتظاري للمواصلات بعد ماتش كورة دام حتى الساعات الأولى من الصباح …
تقدمت – هي – مني: معاكش سيجارة يا سمارة ؟؟؟
تلفت حولي، كان الجميع في قمة التركيز …
كرّرت: ما ترد يا سمسم ؟؟؟؟
لم أرد عليها فكررت مجددا: إيه النظام يا سمارة ؟؟؟
جاء ردي قاطعا: بلاش (وساخة) يا بت انتي …
رمقتني بنظرة وابتعدت عني … لكني لا أعرف – ولا أعتقد أنها عرفت حينها – ما الذي جعلها تعود مرة أخرى
Continue reading “حكاية دنيا”