خاطرة موامبا

وهناك تلك المرة التي ظننت فيها أنني متّ.

لم أر نورا في آخر الممر، لم يكن بجانبي ملائكة ولم تمر لحظات حياتي أمام عيني. كنت نائما نوما عميقا، نوم أعرف حق اليقين أنه الموت ووددت لو أصحو للحظة لأخبر كل الخائفين من الموت أنه مجرد غفوة.

لم أدرك الحكمة ولم أصل للنيرفانا ولم تكن لي روح. فقط جسدي وأحلامي كما كل ليلة. ولم أتذكر ابني أو صديقتي، فقط أحلام متفرقة بعضها مزعج وبعضها أقل إزعاجا كأي غفوة.

لم أتذكر لحظاتي الأخيرة ولم أفكر في المباراة ولم أتمن أن أكون في مكان آخر أو مع أشخاص آخرين ولم أندم على شيء. لم أحزن لترك حبيباتي ولم أنتظر قبلة وداع.

لم أندم. ولم أندم على أنني ندمت يوما.

لم أهتم بدموع من أحبوني. أدركت أن كلهم لهم أحلام بعضها مزعج وبعضها أقل إزعاجا، وأنهم سينامون ولن يندموا ولن يهتموا بدموع من أحبوهم.

كنت في حالة صفاء، صفاء أن توقن وأن تؤمن. صفاء لا يهم ما قبله ولا يوجد ما بعده.

وفجأة استيقظت.

وعرفت أنها لم تكن سوى مباراة أخرى غير ودية مع القدر. لكني لم أهتم.

** من وحي فابريس موامبا الذي توفي لدقيقتين ثم عاد

ثورة سالي واخواتها


فكرة الثورة هي ثورة حالمة بكل المقاييس، فسواء كانت الفكرة مقرونة لديك بنضال مارتن لوثر السلمي أو جهاد صلاح الدين الأيوبي أو جيفارا أو حتى الهيبيز في أوربا وأمريكا الستينات فإن ما لا شك فيه أننا جميعا – بغض النظر عن الأعمار والجنسيات والثقافات – كلنا نتوق لثورة ما. على أرض الواقع، فإن هذه الفكرة الحالمة لديها قابلية كبيرة أن تتحول لكابوس. ربما لا توجد ثورة في التاريخ لم يتم سرقتها من الساسة أو رجال الدين والجيش المنتفعين.

لكن ثورة مصر مختلفة. هذه الثورة ليست ثورة جياع كما حدث ويحدث في بلدان كثيرة وفي عصور كثيرة، وهي ليست ثورة سياسيين مهما حاول البرادعي أو الاخوان المسلمون أو غيرهم ادعاء ذلك. هي ثورة الشهيدة سالي واخوتها واخوانها. وما يميزها حقا، أنها ثورة لم تحدث فجأة أو في لحظة غضب، فهي ثورة مع سبق الإصرار والترصد.

مصر – وجيلها الجديد – قرروا تغيير النظام وفعلوها. سأشدد على أنها ثورة الجيل الجديد ﻷن النظام الكهل الذي تمرس في قهر المصريين بالطرق القديمة، هذا النظام الكهل فوجئ بجيل جديد وأساليب جديدة لا مركزية لا يمكن السيطرة عليها. شباب مصر العظيم قرروا ونفذوا وهذا ما لم يحدث في التاريخ. شباب مصر يسطرون التاريخ الآن وكلي يقين – أنه على خلاف ثورات الماضي – فإن هذه الثورة لن تسرق لو حماها الشباب حتى النهاية. وهنا مربط الفرس، حتى النهاية وهذه النهاية ليست فقط إسقاط مبارك بل ما بعد إسقاط مبارك.
Continue reading “ثورة سالي واخواتها”

خواطر انفصال

من عنجهيتنا وغرورنا كسودانيين شماليين، أننا نتعامل مع انفصال الجنوب على أنه سينشئ دولة واحدة جديدة في الجنوب فقط، متناسين حقيقة بسيطة. الانفصال – وهو أمر صار حتميا بدليل كل الشواهد – الانفصال هو نهاية السودان الذي نعرفه. بعد 2011 ستكون هناك دولتان جديدتان لا علاقة لهما بالكيان السابق المسمى السودان. غرورنا – الذي أوهمنا أننا أسياد وغيرنا عبيد لقرون – هو نفسه الذي يوهمنا أننا السودان الأصلي بينما غيرنا سيكون السودان الفشنك. وأنا هنا لا أتحدث عن المسميات – فحتى إن احتفظ الشمال باسم السودان فهو بالقطع لا علاقة له بالسودان الذي نعنيه حتى كتابة هذا البوست.

قد يغضب البعض  ﻷن حديثي يستبق الأمور، ويتعامل مع الانفصال على أنه واقع، لكنها الحقيقة للأسف، فالحديث الآن ليس عن الانفصال من عدمه، بل عن الانفصال بأقل الأضرار الممكنة. الحرب هي بالتأكيد أسوأ الشرور، وكلنا لا نتمنى عودتها مهما ساءت الأمور. لكن هناك تداعيات أخرى لا تقل خطورة – أو على الأقل تعقيدا – عن الحرب. مثلا يخاف الكثير على مصير مئات الآلاف من الجنوبيين في الشمال وقد بدأ الكثير منهم بالفعل في الهروب من حيث نشؤوا وعاشوا لعشرات السنين.

لكن يبدو أن الكثيرين لا ينتبهون لجزء آخر من الصورة. فالكثيرون يراهنون على أن العديد من الجنوبيين – بالذات في الشمال – لن يرغبوا في العودة أو الانتماء لدولة الجنوب. لكن لا أحد يسأل السؤال العكسي، هل ترغب كشمالي في الانتماء لدولة السودان “الشمالي” التي ستنشأ بعد الانفصال؟

حقيقة أنني كنت دوما ما أواجه فكرة الانفصال بغصة في الحلق، لم أفهم لها سببا بداية حتى صدمت بهذه الفكرة: إن انفصل الجنوب فأنا لا أرغب أن أكون سودانيا “شماليا”. حقيقة أن نيفاشا لم تعطنا حق تقرير المصير، لكن المؤكد بالنسبة لي أنني – بالقطع – لا أرغب في الانتماء لهذه الدولة التي ستنشأ في الشمال.

بداية، السودان – كما كل بلدان افريقيا – ما هو إلا صنيعة بريطانيا وفرنسا وغيرهم. أعرف أن الكثيرين ربما ارتابوا وتساءلوا عما تعنيه تلك الحدود المسماة السودان، لكننا كجيل ولد بعد الاستقلال بعقود، تقبلنا الفكرة كما فعل غيرنا، تقبلنا واقتنعنا أن هذا السودان – الذي رسم حدوده الانجليز – هو سوداننا. الآن عندما تنشأ دولة السودان الجديدة في الشمال؟ هل سنتقبلها كما تقبل آباؤنا السودان “الأصلي” ؟ أشك.

دولة شمال السودان المرتقبة هي صنيعة الإنقاذ، عن جهل أو قصد، هي نتاج ربع قرن من تجهيلنا وتخويفنا وتهميشنا. هي دولة ينظر لها أمثال الطيب مصطفى ودستورها هو الانتباهة! هي دولة عنصرية بنيت على اضطهاد الآخر وتهميشه وإذلاله. الفرق كبير بين اللحظة التي نشأ فيها السودان الأصلي، حيث اجتمع آباؤنا على تحدي المستعمر والإيمان بذاتهم، وبين هذه اللحظة، التي أعمتنا فيها عصبة الإنقاذ عن عدونا الحقيقي واستخدمت كل عقدنا وعيوبنا لقيادتنا لهذه اللحظة. يحاول بعض الجبهجية تجميل هذه الصورة القبيحة بتصوير السودان الشمالي الجديد بأنه السودان العربي المسلم الحر، ويلعبون في الخفاء على هذا الوتر العنصري. لكن ربع قرن من الإنقاذ علمتنا أن لا دين ولا عرق ولا انتماء لهم سوى للسلطة والدولار.

فمن الذي يرغب في الانتماء لمثل هذه الدولة الوليدة؟ في رأيي هو إما جاهل متحامق أو شخص لا يملك بديلا،  والأخيرة هي حال معظمنا.

حقيقة، أود أن أهنئ اخوتي الجنوبيين بدولتهم التي ستنشأ قريبا، حتما ستواجهم مشاكل جمة لكن على الأقل سينتمون لكيان يعني لهم شيئا. أما نحن، فهنيئا لنا دولة المؤتمر الوطني.

وقبّلتها ثلاثا … في السوق العربي

بدا الجميع في أبهى حللهم …
الحافلات في الانتظار بلا كلل أو ضيق والسواقين لم يكترثوا للدور …
الكماسرة مبتسمون سعداء بما جلبه العيد من بهجة للعيون …
والبياعين لم يأبهوا لأي كشّات تعكر هذا الصفو
حتى الكتّاحة قررت الانحسار في هذا اليوم
كأن الجميع يحتفل …
Continue reading “وقبّلتها ثلاثا … في السوق العربي”

قصة قصيرة جدا … دينق وأسماء

التقى دينق مع صديقته أسماء في السوق العربي.
بعد سلام حار وأشواق عارمة …
استقلوا الحافلة ليتوجهوا إلى مكان لقائهم المعتاد …
طقطق الكمساري …
طق طق طق
مدّ دينق ورقة الألف وأشار بإصبعيه (اتنين)
استمر الكمساري في الطقطقة
طق طق طق
كرر له دينق (اتنين)
لكنه أصر على (الطقطقة) لأسماء التي نظرت لصديقها وأكدت (اتنين)
واصل الكمساري الطقطقة
طق طق طق
فأكد دينق تغالبه الدموع (معاي)
وأكدت أسماء تغالبها الدموع (معاهو).

حكاية دنيا

تذكرت دُنيا عندما سألتني صديقة قرأت قصة (شَعَري) مستغربة : انت مالك مركّز شديد مع العاهرات والقوادين والكلام ده … مع أنو (شكلك) مؤدب ؟!!!
لم أرد عليها في حينها …
لكني قرّرت لحظتها أنه إذا كان هناك ما يستحق أن أحكيه عن نفسي فهو حكايتي مع دنيا ..
دنيا هي – ببساطة – فتاة ليل
حقيقة أننا – كما يقولون في الأفلام – لم “نفعلها” أبدا … لكني أجزم أن ما فعلته بي يتجاوز بكثير مجرد نزوة عابرة …
لا أزال أتذكر تلك النظرة البريئة الكامنة رغم كل محاولاتها المستميتة إخفاءها…
حتى عندما كانت تنفث دخان السجائر بعنف أو تمضغ لبانتها بدلال مفتعل – فهي تظل في عيني مجرد طفلة بريئة ولا أصدق أن آدميا قد يستبيح هذه البراءة …
لقاؤنا الأول … كان أثناء انتظاري للمواصلات بعد ماتش كورة دام حتى الساعات الأولى من الصباح …
تقدمت – هي – مني: معاكش سيجارة يا سمارة ؟؟؟
تلفت حولي، كان الجميع في قمة التركيز …
كرّرت: ما ترد يا سمسم ؟؟؟؟
لم أرد عليها فكررت مجددا: إيه النظام يا سمارة ؟؟؟
جاء ردي قاطعا: بلاش (وساخة) يا بت انتي …
رمقتني بنظرة وابتعدت عني … لكني لا أعرف – ولا أعتقد أنها عرفت حينها – ما الذي جعلها تعود مرة أخرى
Continue reading “حكاية دنيا”

شعري

لا أعرف متى أصبح شَعري قضية قومية !!
شعوب اتفقت على ألا تتفق، يختلفون على أكثر قضاياهم مصيرية … اتفقوا جميعا بكل طوائفهم وأديانهم وأعراقهم على تحقيق هذا الهدف السامي.
“يجب أن يحلق نيالا شعره”
اسمي نيالا … والحكاية أنه عند ولادتي، قررت أمي اختيار اسمي بطريقة مجنونة … كأنها كانت تتنبأ بما سأصيره
أحضرت أمي خريطة وطلبت من فتاة صغيرة ملعونة أن تمرر اصبعها عليها وتتوقف في بلد ما … سأحمل اسمها
أحمد الله أن الفتاة لم تتوقف في أفغانستان … لكنها حكمت علي أن أرتبط إلى الأبد باسم – قد أمقته أحيانا، قد لا أعرفه كثيرا، قد أحاول الهروب منه، لكنه يبقى اسمي ..
حكمت علي بأن أكون “نيالا”
*****

Continue reading “شعري”