ثورة سالي واخواتها


فكرة الثورة هي ثورة حالمة بكل المقاييس، فسواء كانت الفكرة مقرونة لديك بنضال مارتن لوثر السلمي أو جهاد صلاح الدين الأيوبي أو جيفارا أو حتى الهيبيز في أوربا وأمريكا الستينات فإن ما لا شك فيه أننا جميعا – بغض النظر عن الأعمار والجنسيات والثقافات – كلنا نتوق لثورة ما. على أرض الواقع، فإن هذه الفكرة الحالمة لديها قابلية كبيرة أن تتحول لكابوس. ربما لا توجد ثورة في التاريخ لم يتم سرقتها من الساسة أو رجال الدين والجيش المنتفعين.

لكن ثورة مصر مختلفة. هذه الثورة ليست ثورة جياع كما حدث ويحدث في بلدان كثيرة وفي عصور كثيرة، وهي ليست ثورة سياسيين مهما حاول البرادعي أو الاخوان المسلمون أو غيرهم ادعاء ذلك. هي ثورة الشهيدة سالي واخوتها واخوانها. وما يميزها حقا، أنها ثورة لم تحدث فجأة أو في لحظة غضب، فهي ثورة مع سبق الإصرار والترصد.

مصر – وجيلها الجديد – قرروا تغيير النظام وفعلوها. سأشدد على أنها ثورة الجيل الجديد ﻷن النظام الكهل الذي تمرس في قهر المصريين بالطرق القديمة، هذا النظام الكهل فوجئ بجيل جديد وأساليب جديدة لا مركزية لا يمكن السيطرة عليها. شباب مصر العظيم قرروا ونفذوا وهذا ما لم يحدث في التاريخ. شباب مصر يسطرون التاريخ الآن وكلي يقين – أنه على خلاف ثورات الماضي – فإن هذه الثورة لن تسرق لو حماها الشباب حتى النهاية. وهنا مربط الفرس، حتى النهاية وهذه النهاية ليست فقط إسقاط مبارك بل ما بعد إسقاط مبارك.

ثورة مصر لازالت في الشرارة الأولى والمطلب الرئيسي لم ينفذ، ويلعب النظام الكهل ألاعيب قديمة ليطيل في عمره ويحاول أن يفرق ليسود، يحاور الإخوان المسلمين كأنهم صناع الثورة ويوهم الجميع بمرحلة انتقالية وهمية يقودها نفس من حكموا ثلاثين عاما. إنها الطرق القديمة مرة أخرى لكن كما فشلت في قهر الثورة فلن يمكن أن تنجح في إطفاء شعلتها الآن، لا يمكن أن يخون هذا الشباب الرائع الذي ألهمنا جميعا، لا يمكن أن يخونوا سالي وإخوانها. لنضع الأمور في منظورها السليم: كل من استشهدوا حتى الآن لا يبلغ عددهم نصف من قتلوا في العبارة وقطار الصعيد. لنتأمل للحظة عظمة التضحية التي قدمها هؤلاء ثم فكر: هل تريد التوقف الآن؟

الشعب يريد إسقاط النظام / الرئيس

راوغ النظام بشتى الطرق وبقدرات اكتسبها على مدى ثلاثين عاما من أجل تحاشي المطلب الرئيسي للمتظاهرين. ما يغيظني شخصيا هو ترديد البعض أن ما “منحه” الرئيس للشعب من تنازل عن السلطة بعد شهور هو أمر كاف لتجنب أي فوضى أو وصول جهات غير مرغوب فيها للحكم. هذه الجملة المكررة فيها الكثير من المغالطات:

أولا، الرئيس لم يمنح شيئا بل الشعب هو الذي اقتلع هذه التنازلات رغما عن أنفه، هذا الرئيس الذي حكم بالطوارئ ما يقرب من الثلاثين عاما لم يفكر أن يمنح بسطاء مصر حقا واحدا خلال هذه المدة، لم يعين نائبا لمدة ثلاثين عاما، حتى المعضلة الدستورية هي من صنعه، أذل وأهان الشعب المصري عن طريق آلياته العسكرية والأمنية والآن فقط قرر أن يمنح. هذه ليست منح إنما هي حقوق، وإعطاؤها للشعب الآن لا يمنع المساءلة عن سبب حرمانه منها لثلاثين عاما.

ليس من حقي أن أزايد وأقول أن تراجع المصريين الآن هو خيانة لشهداء الثورة الذين استهدفهم بلطجية الحزب الوطني. لكني في نفس الوقت، لا أعرف كيف لا تستفز صور هؤلاء الشهداء مشاعر البعض، كيف لا يشعرون بالقهر عندما رؤوا السيارات تدهس شباب – أطباء ومهندسين وفنانين – هم إخوة لهم في الإنسانية على الأقل. ألم تروا صور الشاب الذي قابل البلطجية بصدر رحب فقط ليقتلوه بدم بارد. هذه الصورة – صورة الشاب الذي تلقى رصاص البلطجية – هي تلخيص لهذا النظام المصري الذي امتهن قيمة مواطنيه لدرجة صورت ﻷتباعه أنهم كلاب ضالة تقتل على ناصية الطريق.

لو حدثت هذه الصور قبل شهر واحد، لتفهمت رغبة البعض في غض النظر كما غضوا النظر عن العبارة وقطار الصعيد، فأي من هذه الأحداث حصدت أضعاف ما حصدت الثورة وبدون مقاومة. قبل شهر واحد لتفهمت وجهة نظر البعض على أنها خوف، لكن الشعب المصري الذي كسر حاجز الخوف ووقف ضد أحد أكبر أنظمة الطغيان في العصر الحديث، هذا الشعب الذي يلهمنا جميعا لا يمكن أن يعود إلى مربع الخوف.

يغلف هؤلاء الخائفون والمتعبون والقرفانين خوفهم بتنويعات مختلفة تدل في قشرتها على وعي وحكمة لكنها بعيدة كل البعد عن أي وعي وهي جميعها تنويعات على فكرة الخوف.

الخوف من الفتنة:

لا أعلم عن أي فتنة تتحدثون فالمصريون الذين تناوبوا على حماية ظهور بعضهم البعض في القداسات والصلوات أثبتوا أنهم لا تدخلهم الفتنة إلا عن طريق حكوماتهم. نجاح هذه الثورة الأن سيعني طي صفحة الفتنة الطائفية للأبد فهي – كما ثورة 1919 – ثورة هلال وصليب، بل أنها تتجاوز تلك الثورة عظمة في أنها أيضا قضت على فتنة أخرى كانت كامنة ﻷعوام، الفتنة الطبقية. فكما توحد مسيحيو مصر ومسلموها، توحد فقراء مصر وأغنياؤها وطبقتها الوسطى فميدان التحرير تحول إلى مجمع لكل طبقات الشعب المصري، وهي لمن لا يعلم طبقات ظلت متنافرة دوما. لا أزال أذكر كيف أنه – في يوم الدراسة الجامعي الأول – ينقسم الطلبة بدون تخطيط مسبق حسب طبقاتهم، أولاد مدارس عربي انجليزي فرنساوي أقاليم إلخ … هذا التنافر – الذي وصفه علاء الأسواني ببراعة في يعقوبيان – هو الفتنة الحقيقية في مصر وقد ساعدت هذه الثورة ﻷول مرة في مصر الحديثة على توحيد الغني مع الفقير كما وحدت المسلم مع المسيحي. وهذا إنجاز جديد يضاف لهذا الجيل الرائع من المصريين.

الخوف من الفوضى:

لا أجد ردا أبلغ من رد بلال فضل على هذا الرأي: ماذا لو مات مبارك؟ حنقفل البلد يعني؟؟ الفوضى التي حدثت كانت من تخطيط أتباع مبارك بالتأكيد. لا شك أن لمبارك أتباعا حقيقيين بين 90 مليون مصري لكن مما لا شك فيه أن أيا من هؤلاء الأتباع لم يخرج لمظاهرات التأييد، فهؤلاء الذين يمتطون الأحصنة والجمال هم بلطجية أتباع مبارك وهذه التكتيكات هي نفسها التي تستخدم في كل انتخابات محلية في مصر. أي إنكار لنوعية من خرجوا لدعم مبارك هو استهبال واستهتار لا يقدر عليه إلا أنس الفقي وأشباهه.

من يحدث الفوضى هو أتباع مبارك وهو مسؤول عنهم حتى وإن لم يمنحهم الأمر المباشر بقتل سالي وإخواتها. مسؤول لأنه ولسنوات منحهم حرية التصرف كمن يملكون البلد دون ردع. تلك هي المسؤولية الحقيقية – وليس البقاء تسع شهور إضافية – التي يجب أن يتحملها فهو مفجر الفوضى وليس الشباب الرائع الذي مازال ينظف شوارع بلاده التي عادت إليه.

أما من يقولون أن على الشعب الذي صبر ثلاثين عاما أن يصبر بضع شهور، فأنا سأعكس سؤالهم بنفس المنطق، كيف للنظام الذي كذب ثلاثين عاما أن يفي في بضع شهور؟

الخوف من البديل:

أن تختصر بلد مثل مصر أنجبت أربعة حائزين على جائزة نوبل وآلاف الفنانين والمثقفين والمبدعين والعلماء، أن تختصر في شخص عسكري واحد فهذه إهانة لمصر قبل أن تكون تبجيلا لمبارك. لو صح هذا الطرح، فإنه فيجب على المصريين إضافة تهمة جديدة لقائمة تهم مبارك: كيف لك أن تحكم ثلاثين عاما بدون بديل؟ الدولة الفاشلة فقط هي التي يحكمها فرد ولو فشلت في ثلاثين عاما أن تصنع نظاما لا يعتمد على أفراد – كجميع دول العالم المتقدم – فكيف لك أن تخلقه في شهور؟

الخوف من الإخوان:

أي ثورة يمكن أن تسرق، فقد سرق الإسلاميون ثورة السودان في 1985 ومن قبلها سرقوا ثورة إيران، لكن أي من هذه الثورات لم تكن بوعي هذه الثورة العظيمة، أي من هذه الثورات لم تحمل هذا القدر من الوعي من جيل جديد ومختلف حقيقة عمن سبقه. نعم، لمصر معركتان أولهما الثورة وثانيهما حماية مكاسب تلك الثورة. نحن – الشعوب – نصنع مستبدينا بأيدينا، سواء كانوا إخوان أو علمانيين والتاريخ مليء بمستبدين أتوا بعد ثورات عظيمة. لمصر معركتان لكن إحداهما لا تستقيم دون الأخرى. الحقيقة التي لا نقاش فيها هي أن هذا النظام الذي نخر السوس أساسه لا يمكن أن يحتوي تطلعات هذا الجيل العظيم من المصريين.

توقف الثورة في هذه اللحظة سيعني إهداءها على طبق من ذهب للإخوان، ﻷنهم لن يتوقفوا الآن. فالأدعى لمن يخاف الإخوان أن يواصل المسيرة حتى النهاية، لكي يملك حق أن يقول: هذه ثورتي. عندها لن يستطيع – لا الإخوان ولا البرادعي ولا نور – أن يملك ثورة الشعب، فكل فرد من هؤلاء – أكثرهم ليبرالية كما أكثرهم تطرفا – هو مشروع دكتاتور لو سمح الشعب له بهذا.

الخوف:

حكم مبارك ثلاثين عاما بالخوف كما حكم بن علي ربع قرن بالخوف. وحكمت الشيوعية وكنيسة العصور الوسطى ومتطرفو العصور الحالية، كلهم حكموا شعوبهم بالخوف. الخوف من المجهول، الخوف من الأجندات الخفية والخوف من الفوضى، وقد كسر المصريون حاجز الخوف من أحد أكثر الأنظمة قمعية في التاريخ الحديث، أن يعود المصريون لمربع الخوف الأول هو ليس فقط خيانة لسالي وأخوانها بل هو خيانة لاحترامهم لأنفسهم الذي اقتلعوه من عين الأسد، كلما سألت أصدقائي المصريين عن إحساسهم في هذه اللحظة ردوا علي بتنويعة من هذه الجملة: أنا أول مرة أحس أني أنا مصري. هذه الروح هي من ستبني مصر وليس بضع شهور لنظام مرتعش دخل مرحلة التنفس الصناعي بالفعل.

انتهى عصر خوف الشعوب وحل عصر خوف الطواغيت. فشكرا لبوعزيزي وخالد سعيد وسالي وإخواتها وذلك الشاب العظيم الذي تلقى رصاص الطاغية بصدر رحب. كرموهم جميعا بأن تكملوا المسيرة من أجل مصر ومن أجلنا جميعا مقهوري وخائفي هذه الدنيا.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s