خواطر انفصال

من عنجهيتنا وغرورنا كسودانيين شماليين، أننا نتعامل مع انفصال الجنوب على أنه سينشئ دولة واحدة جديدة في الجنوب فقط، متناسين حقيقة بسيطة. الانفصال – وهو أمر صار حتميا بدليل كل الشواهد – الانفصال هو نهاية السودان الذي نعرفه. بعد 2011 ستكون هناك دولتان جديدتان لا علاقة لهما بالكيان السابق المسمى السودان. غرورنا – الذي أوهمنا أننا أسياد وغيرنا عبيد لقرون – هو نفسه الذي يوهمنا أننا السودان الأصلي بينما غيرنا سيكون السودان الفشنك. وأنا هنا لا أتحدث عن المسميات – فحتى إن احتفظ الشمال باسم السودان فهو بالقطع لا علاقة له بالسودان الذي نعنيه حتى كتابة هذا البوست.

قد يغضب البعض  ﻷن حديثي يستبق الأمور، ويتعامل مع الانفصال على أنه واقع، لكنها الحقيقة للأسف، فالحديث الآن ليس عن الانفصال من عدمه، بل عن الانفصال بأقل الأضرار الممكنة. الحرب هي بالتأكيد أسوأ الشرور، وكلنا لا نتمنى عودتها مهما ساءت الأمور. لكن هناك تداعيات أخرى لا تقل خطورة – أو على الأقل تعقيدا – عن الحرب. مثلا يخاف الكثير على مصير مئات الآلاف من الجنوبيين في الشمال وقد بدأ الكثير منهم بالفعل في الهروب من حيث نشؤوا وعاشوا لعشرات السنين.

لكن يبدو أن الكثيرين لا ينتبهون لجزء آخر من الصورة. فالكثيرون يراهنون على أن العديد من الجنوبيين – بالذات في الشمال – لن يرغبوا في العودة أو الانتماء لدولة الجنوب. لكن لا أحد يسأل السؤال العكسي، هل ترغب كشمالي في الانتماء لدولة السودان “الشمالي” التي ستنشأ بعد الانفصال؟

حقيقة أنني كنت دوما ما أواجه فكرة الانفصال بغصة في الحلق، لم أفهم لها سببا بداية حتى صدمت بهذه الفكرة: إن انفصل الجنوب فأنا لا أرغب أن أكون سودانيا “شماليا”. حقيقة أن نيفاشا لم تعطنا حق تقرير المصير، لكن المؤكد بالنسبة لي أنني – بالقطع – لا أرغب في الانتماء لهذه الدولة التي ستنشأ في الشمال.

بداية، السودان – كما كل بلدان افريقيا – ما هو إلا صنيعة بريطانيا وفرنسا وغيرهم. أعرف أن الكثيرين ربما ارتابوا وتساءلوا عما تعنيه تلك الحدود المسماة السودان، لكننا كجيل ولد بعد الاستقلال بعقود، تقبلنا الفكرة كما فعل غيرنا، تقبلنا واقتنعنا أن هذا السودان – الذي رسم حدوده الانجليز – هو سوداننا. الآن عندما تنشأ دولة السودان الجديدة في الشمال؟ هل سنتقبلها كما تقبل آباؤنا السودان “الأصلي” ؟ أشك.

دولة شمال السودان المرتقبة هي صنيعة الإنقاذ، عن جهل أو قصد، هي نتاج ربع قرن من تجهيلنا وتخويفنا وتهميشنا. هي دولة ينظر لها أمثال الطيب مصطفى ودستورها هو الانتباهة! هي دولة عنصرية بنيت على اضطهاد الآخر وتهميشه وإذلاله. الفرق كبير بين اللحظة التي نشأ فيها السودان الأصلي، حيث اجتمع آباؤنا على تحدي المستعمر والإيمان بذاتهم، وبين هذه اللحظة، التي أعمتنا فيها عصبة الإنقاذ عن عدونا الحقيقي واستخدمت كل عقدنا وعيوبنا لقيادتنا لهذه اللحظة. يحاول بعض الجبهجية تجميل هذه الصورة القبيحة بتصوير السودان الشمالي الجديد بأنه السودان العربي المسلم الحر، ويلعبون في الخفاء على هذا الوتر العنصري. لكن ربع قرن من الإنقاذ علمتنا أن لا دين ولا عرق ولا انتماء لهم سوى للسلطة والدولار.

فمن الذي يرغب في الانتماء لمثل هذه الدولة الوليدة؟ في رأيي هو إما جاهل متحامق أو شخص لا يملك بديلا،  والأخيرة هي حال معظمنا.

حقيقة، أود أن أهنئ اخوتي الجنوبيين بدولتهم التي ستنشأ قريبا، حتما ستواجهم مشاكل جمة لكن على الأقل سينتمون لكيان يعني لهم شيئا. أما نحن، فهنيئا لنا دولة المؤتمر الوطني.

1 thought on “خواطر انفصال”

  1. انت مصاب بدوار المؤتمر الوطني اما الشعب منكب على نفسه لا يعنيه المؤتمر الوطني ولا غيره وليس صحيحاً أن الجنوبيين بافضل منا حالاً فأنت لا تعرف الجنوب جيداً . وكلنا اولاد تسعه.

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s