وقبّلتها ثلاثا … في السوق العربي

بدا الجميع في أبهى حللهم …
الحافلات في الانتظار بلا كلل أو ضيق والسواقين لم يكترثوا للدور …
الكماسرة مبتسمون سعداء بما جلبه العيد من بهجة للعيون …
والبياعين لم يأبهوا لأي كشّات تعكر هذا الصفو
حتى الكتّاحة قررت الانحسار في هذا اليوم
كأن الجميع يحتفل …
………………………………………………
انطلقنا … فنحن نعرف وجهتنا جيدا لا نحتاج لإرشاد …
تشابكت أيدينا أم لم تتشابك .. لا أعلم لكني أدرك أنها كانت بجواري بالتأكيد ..
انطلقنا وسط الزحام .. نتفادى العابرين والمقيمين والمتلصصين
تذكرت صديقتي التي كانت تشق هذا المكان يومياً عرضيا وطوليا … بحثا عن الرصيف!
اليوم سرنا مع الجميع .. تفادينا من تفادينا واصطدمنا بمن اصطدمنا .. ولم نبحث عن الرصيف
استغللت الزحام مرة أو مرتين .. لتوقف مفاجئ ألامس على إثره أنوثتها .. كان تواطؤا مشتركا بامتياز
ابتعدَت خائفة من أحد المجانين وتشبثت بيدي كما طفلة … فشكرت المجنون
فرّقتنا أمجاد ثقيلة لكنها مرّت ومررنا والتقينا مجددا ..
فأمسكت بيدها حتى لا نفترق مرة أخرى .. وشكرنا الأمجاد
………………………………………………
نظر هو إلينا مطولا … نظرة غضب لوم أو ربما مجرد حسرة
ونظَرَت هي إلينا مطولا … نظرة إعجاب اندهاش أو ربما مجرد حسرة
نظَرَت إليه معاتبة أو مذكّرة
تأملها … إيد ماسكة العصاية والأخرى حق العيال
تأملته … إيد ماسكة العصاية والأخرى باقي حق العيال
تأملا نفسيهما وتأملانا مجددا … وابتسما
………………………………………………
مرّ بنا رجل يرتدي بدلة سفاري قبيحة لا تتواءم ومهمته النبيلة في حفظ أمن المحبين
حتى هو … ابتسم
ربما تذكر ماضيا جميلا عاشه .. أو لم يعشه
أو ربما ببساطة … فـتـر
كدت أفلت يدها حينها لكنها تشبثت بي بقوة …
كأنها تذكرني .. كدنا نصل
………………………………………………
حتى الهواء … كان نظيفا على غير العادة …
أم ترانا تعودنا على عبق السعوط ..
هبت نسمة …
طارت الطرحة لم تمسكها هي … وبالطبع لم أمسكها أنا
كان تواطؤا ثلاثيا بامتياز
………………………………………………
تذكرت ذلك المخرج الذي لا يخرج مشهدا خارجيا إلا في جو ممطر ..
بالتأكيد لم يشاهد هذا المخرج ما يفعله المطر هنا ..
لكن حتى الأمطار بدت مختلفة اليوم ..
لم تخلّف وراءها بركا وبحيرات .. أو ربما خلّفت ولم نكترث
………………………………………………
تأمّلها الفتى العابر … وتأملني
ولسان حاله يقول “ما بتستاهلها”
تأملتها وكأنها المرة الأولى التي أفعل ..
بدت كملكة افريقية خلابة …
الطول واللون .. والحرية
ابتسمت لصديقي وابتسم هو كذلك … يعني منو البيستاهلها؟؟
………………………………………………
اقتربنا أكثر …
تأملتنا الحاجة اللطيفة كأنها تتذكر أيام شقاوة ولّت …
مدت لنا يدها “تسالي؟” وابتسمنا جميعا
………………………………………………
التفتّ إليها والتفتت إلي …
أخيراً تلاقت أعيننا …
توقفتُ لحظة …
الكماسرة وأصوات البوري وعلب الورنيش ودهب دبي…
الأمطار تنهمر … وشعرها المتطاير مع النسمات …
فكرت .. آه من هذا المُخْرج لما يشتغل بمزاج
قرصت هي على يدي كأنها تقول لي … كفاية سينما!
………………………………………………
اقتربتُ منها .. واقتربت مني ..
تلامسنا …
كانت الأولى سريعة وخاطفة … كأننا نحاول أن نسرق الزمن قبل أن يسرقنا كما تعود
وتوقفنا برهة بعد الثانية .. وجدناهما!
ثم كانت الثالثة
كنا في المنتصف وكنا نسمو فوق الجميع ..
التف الجميع من حولنا ..
حتى الأمجاد الثقيلة لم تشأ أن تضايقنا ..
ازداد الهواء انفعالا والمطر انهمارا …
وامتزجت معهما أصوات البوري والكماسرة والبياعين …
موسيقى تصويرية من أروع فنان …
ومرّ من حولنا العابرون والمقيمون والمتلصصون …
كل في طريقه ..
لم يكترثوا لنا ولم نكترث لهم…
لم ننظر إليهم ولم ينظروا إلينا.
لم نلفت انتباههم ..
لأننا ببساطة ..
لم نكن سوى مجرد حبيبين.