حكاية دنيا

تذكرت دُنيا عندما سألتني صديقة قرأت قصة (شَعَري) مستغربة : انت مالك مركّز شديد مع العاهرات والقوادين والكلام ده … مع أنو (شكلك) مؤدب ؟!!!
لم أرد عليها في حينها …
لكني قرّرت لحظتها أنه إذا كان هناك ما يستحق أن أحكيه عن نفسي فهو حكايتي مع دنيا ..
دنيا هي – ببساطة – فتاة ليل
حقيقة أننا – كما يقولون في الأفلام – لم “نفعلها” أبدا … لكني أجزم أن ما فعلته بي يتجاوز بكثير مجرد نزوة عابرة …
لا أزال أتذكر تلك النظرة البريئة الكامنة رغم كل محاولاتها المستميتة إخفاءها…
حتى عندما كانت تنفث دخان السجائر بعنف أو تمضغ لبانتها بدلال مفتعل – فهي تظل في عيني مجرد طفلة بريئة ولا أصدق أن آدميا قد يستبيح هذه البراءة …
لقاؤنا الأول … كان أثناء انتظاري للمواصلات بعد ماتش كورة دام حتى الساعات الأولى من الصباح …
تقدمت – هي – مني: معاكش سيجارة يا سمارة ؟؟؟
تلفت حولي، كان الجميع في قمة التركيز …
كرّرت: ما ترد يا سمسم ؟؟؟؟
لم أرد عليها فكررت مجددا: إيه النظام يا سمارة ؟؟؟
جاء ردي قاطعا: بلاش (وساخة) يا بت انتي …
رمقتني بنظرة وابتعدت عني … لكني لا أعرف – ولا أعتقد أنها عرفت حينها – ما الذي جعلها تعود مرة أخرى
عادت ونهرتني: أنا وسخة ؟؟؟؟ أنا ولا الخمسين راجل اللي واقفين يتفرجوا ونفسهم .. بس ما يستجروش … أنا ولا انت .. مؤدب أوي ولا خايف على منظرك .. عالأقل أنا شغالة لحساب روحي، انت بقى شغال لحساب مين ؟؟؟؟
وانصرفت.
—————————————————-
بقيت طوال الأيام التالية أفكر في هذه (البت) ..
استحوذت على أفكاري تماما …
أحيانا وددت لو صفعتها، أو عالأقل رددت عليها بدلا من وقوفي متسمرا بهذه الطريقة
أحيانا أعاتب نفسي لأني بدأت بالإهانة
وغالبا ما كنت أتمنى لو أنها (فتّحت عيونها) واختارت لنفسها زبونا آخر .. فأراحتني واستراحت
طوال الأيام التالية، كنت أذهب للعب الكورة بدون نفس، ثم أذهب لانتظارها في مكان لقائنا
أفوت الحافلة الأولى والثانية …
ثم ينتابني هاجس أنها تراقبني الآن وتتلذذ بانتصارها … فأهم بركوب (الميكروباص)
لكني أتذكر كلماتها … “انت بقى شغال لحساب مين ؟؟؟”
ألعن ميتين اليوم اللاقيتها فيهو … وأنزل تاني
أبقى على هذه الحال حتى أيأس وأغادر.
—————————————————-
لا أعرف سر هذه الحالة البلهاء التي انتابتني …
فغالبا ما أواجه الانتقادات والإهانات – حتى العنيفة منها – ببرود يحسدني عليه الكثيرون
يمكن (وجعتني) لأن الإهانة جاءت من فتاة … لا أعتقد …
ربما لأنها جاءت من فتاة مثلها … ربما
أحيانا أفكر في أنها ربما لم تقم أصلا بإهانتي …
مجرد رد عادي على إساءة عادية (بالنسبة لها).
لم أعرف السر إلا عندما نبهتني – هي – لاحقا …
” لأننا شبه بعض قوي ” !!!
براءة ظاهرية نخفي تحتها قسوة وغضب وعنف عارم قلّما يخطئ أهدافه
طالما استخدمتُ أسلوبها هذا لحسم المنازلات …
أسلوب اللقطة الأخيرة في الملاكمة حيث لا يهم عدد ما فقدته من نقاط أثناء الجولة .. ما يهم فقط هو كيف تنهيها
كل ما أردته هو أن أشبع غروري بجولة إضافية أعلم أنني سأكسبها لا محالة …
وكم كنت واهما.
—————————————————-
انتظرت سبعة أيام كاملة حتى ألتقيها مجددا …
وأخيرا حانت لحظتي …
كانت تقف متكئة على إحدى السيارات تتشاور مع سائقها …
وانتهت المفاوضات سريعا لحسن حظي …
اتجهت نحوي، كانت تبدو مرهقة ومختلفة قليلا …
نظرت باتجاهي نظرة عابرة … ووقفت على مقربة مني وأشعلت سيجارة
توجهت أنا إليها حاشدا كل الإهانات التي خزنتها طوال سبعة أيام وليالي …
بادرتها “إيه النظام؟ “
ردت علي ببساطة “تحت أمرك يا باشا”
“انت مش فاكراني ولا إيه”
“مش واخده بالي”
بهذه البساطة بعثرت كل أوراقي … لكني كنت مصمما على إهانتها وحفزتني حالة ضعفها أكثر للانقضاض عليها
“مش كنت عاملة فيها فيلسوفة الأسبوع اللي فات … انتي بتستهبلي يا بت”
“يا باشا … انت مباحث ؟؟؟”
“لا طبعا” … رددت عليها مندهشا ومغتاظا من طريقة تحويلها لدفة الحوار
“طيب حقك علي … انت حتاخد بكلام واحدة زيي برضو … يا باشا يا كبير”
وصاحت “تاكسي !!!”
—————————————————-
صارت هذه الفتاة هاجسي الأوحد … لم تكن تمر ساعة دون أن أفكر فيها
كانت تملؤني تناقضات كثيرة حيالها …
نعم مازلت أريد إهانتها لكن الشعور الأهم الذي كنت أحاربه بكل استماتة هو رغبتي الملحة في أن أعرفها …
المهم الآن هو أني صرت أعرف موعدها الأسبوعي.
هذه المرة لم أذهب حتى للعب الكرة … (اختصرت الموضوع) وتوجهت مباشرة إلى مكان لقائنا
جاءت في موعدها تماما ووقفت وقفتها المعهودة …
الغريبة أنها كانت تقف أمام محل لا تجرؤ النساء عادة على دخوله بدون حجاب – لكنها كانت تقف أمامه بكل بساطة وثقة.
فكرت أنها ربما ليست مجرد فتاة ليل عادية … ووجدتني فجأة أصنع لها في مخيلتي تاريخا من النضال والتحدي والأهداف السامية.
لقد صارت هذه الفتاة بالنسبة لي (مرضة).
وقفت بجواري ورمقتني بنفس النظرة …
بادرتني “على فكرة يا باشا … لو معاكش فلوس مافيش مشكلة … أنا بأعز السُمر جدا”
لم أرد عليها … فواصلت “ولا ملكش في الصنف ده ؟؟؟”
كانت تواصل حصد النقاط بتمكن ولم أقو على الرد
“خلاص يا عم … انا عارفة انك ما بتحبش (الوساخة) … سكتنا”
رددت عليها أخيرا “يعني فاكراني يا بت … طيب ليه الاستهبال”
ووجدتها فرصة سانحة لأبدأ هجومي
“انت عارفة اللي زيك … مصيرهم جهنم … حتتعلقي من رموشك يا بت”
لم تكن من طبيعتي أبدا الحكم على الأشخاص من منظور رباني … لكن يبدو أني لم أهتم (لمعاييري) هذه في تلك اللحظة … فقط أردت أن أؤلمها
لكنها ردت بكل برود …
“أنا مش كافرة بس الجوع كافر … ماسمعتش أغنية الرحباني دي !!!”
تسمرت أمامها مندهشا …
واصلت “ما تستغربش أوي كده … ما أنا (بانام) مع مثقفين برضو!”
وهمت بالانصراف لكني أمسكت بيدها …
نظرت إلى باستغراب وتحفز …
“بصي … أنا كل اللي عاوزه أتكلم معاك”
ردت باستهزاء “يا حرااام … بس كده أنا قلت لك من الأول أني بأعز السمر جدا … استناني بكرة هنا في نفس الميعاد “
وانتظرتها (بكرة) … ولم تأت.
—————————————————-
وبعد أن (شرّتني) سبع ليالي … التقينا مجددا
جاءتني – هي – مرحبة …
كنت أحاول جاهدا إخفاء سعادتي بلقائها، كانت محاولة للإنكار تجاه نفسي أولا وأخيرا …
بادرتها مباشرة “اسمك إيه؟؟؟”
“مش مشكلة اسمي دلوقتي” قالتها وهي تشعل سيجارتها
كانت هذه أول مرة أتأملها فيها بهذا الإمعان …
كانت أقصر مني قليلا … قمحية اللون … على خدها الأيمن ما يشبه ضربة (مطواة) …
تربط شعرها كذيل حصان تتخلله خصل حمراء داكنة …
لم أستطع أبدا تحديد لون عينيها، بدت لي ما بين عسلية وبنية وسوداء …
قوامها كان عاديا … رغم محاولاتها حشره وتفصيله على مقاس البنطلون والبودي …
لم تكن جميلة … لكنها كانت شديدة الحيوية والجاذبية، خصوصا عندما تتكلم …
“سرحت فين يا سمارة ؟؟؟” نبهتني …
“انت بتيجي هنا مخصوص علشاني ولا إيه ؟؟؟”
فاجأتني بسؤالها هذا … تلعثمت وأردت أن أنفي التهمة بأي طريقة
“أنا بالعب كورة هنا كل يوم”
“كورة ؟؟؟ ما دام انت لعيب كورة من (افريكيا) … أنا حاسميك كوليبالي”
واصلت “انت أساسا منظرك زملكاوي … أصل الهزائم والانكسارات خلت الزملكاوية كده مش ولا بد “
لم تكتف بالتلميح (قليل الأدب) … فهي – كما سأتعلم لاحقا – لا تكتفي أبدا بالتلميحات (من بعيد لبعيد) …
واصلت شرحها حول انخفاض خصوبة العرب بعد نكسة 67 والخليجيين بعد حرب الخليج … وبدأت في الإسهاب والدخول في تفاصيل خبراتها (العريضة) … لكنها توقفت عندما لاحظت ضيقي
“إيه جرحت مشاعرك ؟؟ أما صحيح (زملكاوي)!!!!”
الغريب أن أحاديثها الإباحية (وبذاءاتها) لم تكن تضايقني بقدر ما كنت أتضايق لصدور هذا الكلام منها بالذات … فرغم مجاهرتها بكونها (بت صايعة) كنت مصرا على كونها فتاة بريئة … جدا
والأغرب أني بقيت (بابلع) إهاناتها بمنتهى البساطة … تنازلت عن كل غروري (وفلهمتي) من أجل إشباع فضولي في التعرف إلى هذه الفتاة
“وانت حتسميني إيه يا كوليبالي ؟؟؟”
فكرت قليلا وأجبت “سوزان”
ردت على وهي تبتعد
“شايفني راكبة مرسيدس ولا بدرس في الـ AUC يا (روح أمك) … أنا اسمي دنيا”
وكانت دنيا.
—————————————————-
“انت حكايتك إيه يا دنيا ؟؟؟”
لم تحاول أبدا أن ترسم نفسها كضحية … رغم استعدادي التام لتقبلها في هذا الدور
حتى مقولتها التي أذهلتني بأن (الجوع كافر) تراجعت عنها … “ده كان كلام أفلام وخلاص”
كانت لديها فلسفة عميقة وصادمة تبرع في صياغتها بلغة قاسية وبسيطة وبذيئة …
“ما ينفعش أتكلم غير كده … هي (دنيا) وسخة أنا بقى اللي حنضفها … لازم كلامي يكون وسخ زيها”
اختصرت لي حكايتها في جملة بسيطة …
بنت ناس (كويسين)، اختلفت مع أهلها وتركت المنزل
“بس كده !”
لكنها حذرتني من البداية بألا أصدق أي تفاصيل قد تخبرني بها … “حتى اسمي احتمال ما يكونش دنيا”.
سألتها “ليه تختاري لروحك شغلانة زي دي يا بت؟؟؟”
أجابتني بعنف “أختااار !!! يا ابني الاختيارات دي لأولاد الأكابر اللي زيكم مش لينا إحنا … وإياك تفكر تعمل لي فيها ربنا يا (روح أمك)”
كنا نلعب لعبة نجيدها الاثنين … فقد بدأت رويدا رويدا أعرف ما يغيظها ويزعجها .. وهي عرفت منذ اللحظة الأولى ما يغيظني ويزعجني
واصلتُ سخافتي “يعني انت مستنضفة روحك يا بت؟؟؟”
“انا في بيت أهلي كنت باشتغل نفس الشغلانة … (بس في إطار من المشروعية) على رأي الريّس”
وتوجهَت إلي “وانت كمان ما تفرقش عني كتير … شغال نفس الشغلانة في البيت والمدرسة والكلية … بتبيع وتتباع كل لحظة وثانية”
وواصلَت “بس أنا دلوقتي بقيت شغالة لحساب روحي … يعني أنضف منك (يا روح أمك)”
“ما تقوليش (روح أمك) دي تاني”
“وانت ما تقولش (يا بت) دي تاني”.
—————————————————-
أصبح لقاؤنا موعدا ثابتا لا يحتاج لتأكيد …
أعرف أنها كانت تترقبه كما كنت أترقبه (لأنها شبهي جدا)
كانت تحذرني باستمرار “إوعى تحبني يا واد !!”
وأرد عليها بضحكة مستهزئة “ما تخافيش !”
كان لقاؤنا يدوم قرابة الساعة على عتبة الرصيف أمام المحل التجاري الفخم …
وبدأنا في صنع طقوس لهذا اللقاء… أهمها فول (آخر ساعة) وحاجة (ساقعة) وسيجارتها …
“إسكندراني !!” … تنبهني قبل طلب الفول … “فول إسكندراني بالشطة الحراقة يا كوليبالي !!”
رغم أني لم أكن أحب الشطة … لكني كنت أجاريها خوفا من لسانها اللاذع
كنا نتكلم في كل شيء … دين وسياسة وكورة وتاريخ وفلسفة … وجنس طبعا
كان لها وجهة نظر في أي موضوع … تدافع عنها بكل تمكن واقتدار …
“عارف أحلى حاجة في شغلانتي دي إيه ؟؟؟” قالت بجدية وهي تمسك بالسيجارة والبيبسي
“إيه ؟”
“أني شايفة كل حاجة عريانة … مافيش لا زينة ولا هدوم ولا بهرجة كدابة … كلو على حقيقتو “
نظرت إليها … كانت عيناها تغرورق بالدموع …
الغريبة أني بقدر ما كنت أريد كسرها وإهانتها في بداية تعارفنا … بقدر ما صرت أخاف عليها من الانكسار …
“وبعدين أنا باعمل اللي الحكومة ما قدرتش تعملو” … “أنا الحاجة الوحيدة اللي الفقير والغني يكونوا قدامها واحد … مش بس كده كمان الفقير ممكن يغلب الغني”
مازحتها “شيوعية إنت ولا إيه ؟؟؟”
ردت مبتسمة “لا … بس معاشراهم كتير !!!”
—————————————————-
ابتسامة دنيا …
أو ابتسامات دنيا …
كانت ابتساماتها جميعا ساحرة …
كل واحدة منها تحمل معنى خاصا وألما خاصا … وبراءة خاصة
ابتساماتها هي سر براءتها الذي عرفته بعد مشقة
فقد وُهبت بسمة خلابة تزينها (غمازات) رائعة تضيء هذه (الدنيا المظلمة)
لكنها كانت تبتسم فقط … لم تضحك أبدا
“كنت باضحك زمان بس خلاص”.
أعرف أنها تحت كل هذه القسوة والقوة والاقتناع بـ (شرف مهنتها) … كانت تتألم
لكني لم أسألها لأني أعلم أنها لم تكن تود إظهار أي ضعف … وأنا لم أكن لأحتمل رؤيتها ضعيفة.
“بتقرا لمين يا كوليبالي ؟”
اجتهدت – على طريقة المثقفين – لرصّ مجموعة من الأسامي الرنانة والمجهولة التي لم أقرأ لأي منها.
“مين دول يا عم!” … أوقفتني … “قريت لعم جاهين ؟؟؟ “
“آه طبعا … الرباعيات” … ولم تكن علاقتي معه – في ذلك الوقت – تتجاوز فيلم (خلي بالك من زوزو)
واصلت “عارف الراجل ده اللي موّته إنه مؤدب … لو كان وقف فوق (المقطم) وصرخ وشتم في الناس دي … كان عاش … حتى كانت سعاد اتجوزته !! “
دنيا بالمناسبة كانت مثقفة جدا … لا أعرف إن كان السبب يعود (لعلاقاتها) مع المثقفين كما تدعي أم لخلفيتها التي لم تخبرني كثيرا عنها …
كانت دوما ما تستشهد بأشعار “نجيب سرور” … التي كانت تحفظها وتحكيها بحرقة (من القلب)
ضايقتني بذاءتها في البداية … لكني تعوّدت واتعلمت.
كان نجيب سرور هو فتى أحلامها … “نفسي أتجوز راجل زيه … راجل فاهمنا”
رددت عليها مازحا “وأنا ما انفعش يا دنيا “
قالت بقسوة “انت !!! انت ابن ذوات … أنا بالنسبة لك فيلم ولا قصة ولا حدوتة تحكيها … بس عُمر دنيتك ما حتكون دنيتي”
—————————————————-
“كوليبالي … انت لسّه عذراء ؟؟؟ “
فاجأتني بسؤالها هذا مع طلب الفول الملتهب
أجبتها “الولد ما بيتقالش عليه عذراء “
ردّت بابتسامة مستفزة “تبقى لسّه عذراء !!”.
حقيقة أني لم أكن أتذكر أنها (فتاة ليل) إلا عندما تذكرني هي – شخصيا – عن طريق حكاويها وفضائحيتها …
وبقدر ما كانت لا تدخر جهدا لتذكيري بمهنتها … بقدر ما كنت أرى فيها كل شيء إلا هذه (التفصيلة) غير المهمة …
في هذا اليوم وبعد أن تجاوزت صدمة سؤالها الأول … واصلنا أحاديثنا المعتادة لكن حدث ما لم يكن معتادا …
توقفت سيارة على مقربة منا … وصاح راكبها “دنيا !!!”
أطفأت سيجارتها واتجهت نحو السيارة … بعد مفاوضات سريعة، استقلت السيارة وغادرت …
بقيت لعدة دقائق لا أصدق ما حدث … وقفت أتأمل سراب السيارة
كانت هذه المرة الأولى التي أشاهدها فعليا تمارس مهنتها …
اكتشفت أني فعلا كنت أتعامل على أساس أنها تروي (حكايات) وكانت هذه هي المرة الأولى التي أصدم فيها بأنها كانت تحكي فعلا عن (دنيا)
بقيت طوال الأيام التالية أفكر فيها وهي تركب السيارة …
لم أكن أستطيع التفكير بوضوح …
كنت غاضبا جدا كأنها … كأنها خانتني.
تارة أفكر أنها ربما أرادت فقط إغضابي أو إبعادي عنها … أو أن تصدمني كما تفعل دوما.
ثم أسترجع كلماتها … “أنت شايفني حدوتة وحكاية … عمر دنيتك ما حتبقى دنيتي …”
يمكن أنا فعلا شايف (دنيا) غلط !!
هي لم تكذب ولم تتجمل … أنا صنعت كذبة وصدقتها
أحيانا أغالط نفسي … أنا أعجبت بقوتها وثقتها وفلسفتها المختلفة فما الفرق لو كانت فتاة ليل أو أستاذة جامعة ؟؟
كان هناك فارق كبير … يؤلمني ولا أستطيع تحديده.
—————————————————-
في اللقاء التالي ذهبت للقائها على مضض
كنت مشوشا جدا، لم أستطع أن أجاري أحاديثها حتى الفول (ما أكلته)
نهرتني “مالك يا كوليبالي!”
“مافي حاجة”
كنت أجيد المصرية بطلاقة … لكني عندما أغضب لا أستطيع التعبير سوى بالسوداني !
“مافي حاجة … مافي حاجة” ردّت باستهزاء.
كنت أحاول أن أفسر غضبي ولم أستطع … هل كنت أتعامل مع دنيا فعلا على أنها مجرد (حكاية) .. هل أحاول فعلا أن أعمل فيها (ربنا) على رأيها …
قطعت عليّ تفكيري وكأنها تقرأ ما يجول في خاطري
“أنا هي أنا … أنا دنيا اللي حكيت لك عنها مش اللي في خيالك !!”
نظرت إليها مصدوما …
قطع حديثها صوت (زبون) الأسبوع الماضي … أطفأت سيجارتها وتوجهت إليه
أمسكت يدها … “سيب إيدي!”
طلبت منها ألا تذهب معه … كررت “بقول لك سيب إيدي “
انطلق صاحب السيارة مبتعدا فهو بالتأكيد لم يرغب في أن يكون جزءا من هذه الفرجة …
توجهت إليّ بغضب “ايه اللي عملتو ده ؟؟”
أخرجت من جيبي عدة عشرات “امسكي ! كان حيدفع ليك أكتر من كده”
بعثرت النقود في الهواء وصرخت “انت بتستعبط يا (روح أمك) ! “
رددت عليها بعنف “الحق عليّ عايزك تنضفي !”
“أنضف !!!! وانت مين عشان تنضفني … أنا أنضف من عشرة زيك … وبعدين الفلوس دي عرق جبينك … ولا فلوس (أمك) … على الأقل لما تحب تنضفني، يبقى بفلوسك يا واد “
كنا غاضبين ومنفعلين جدا … “بلاش فلسفة فارغة … انت قايلة روحك شنو ؟؟”
ردّت “أنا عارفة نفسي إيه … وأنضف منك ومن عشرة زيك “
“لا ما عارفة … انت مجرد مومس .. عاهرة وبس !”
…..
وكانت لي اللقطة الأخيرة.
—————————————————-
وقفنا صامتين عدة ثواني مرّت كالدهر …
كانت هذه هي المرة الأولى التي أنعتها بهذه الصفة
وكانت هذه المرة الأولى التي لا ترد فيها دنيا.
كانت لي اللقطة الأخيرة كما تمنيت … لكني بالتأكيد لم أنتصر.
لم أقو على الذهاب لمكان لقائنا لعدة أسابيع
وعندما ذهبت أتلصص عليها، لم تكن هناك.
صرت أبحث عنها في دواوين جاهين و(أميات) نجيب سرور … والفول الاسكندراني
الآن … أنا لا أستطيع حتى أن أحدد إن كانت حقيقية أم محض خيال
حتى (سيد كشك البيبسي) الذي كان يتلصص علينا أثناء جلوسنا، لم يعد موجودا ليؤكد أنها كانت معي …
لكنها كانت معي بالتأكيد … وربما علمتني في بضع جلسات أكثر مما علّمني عشرات الأساتدة والمدرسين والأهل والأصدقاء …
علمتني أن أنظر للناس عرايا … بدون هدوم ولا زينة ولا بهرجة ولا ألقاب ولا مناظر
والأهم هو أن أنظر لنفسي عاريا … ليس كما أريد أو أتمنى فقط كما أنا.
في لقاء (للمبدع) شعبان عبد الرحيم رد على أحد منتقديه “انت لو متعلم … ما تقولش على جاهل !”
وأنا لو (نضيف) … لم أكن لأرى (دنيا) قذرة.
أفتقد دنيا بشدة …
وأتمنى لو ألتقيها مرة إضافية … لأعطيها شرف اللقطة الأخيرة.